الشيخ محمد رشيد رضا

207

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

التي بعد هذه من حكاية الاجماع على عدم جواز تقليد الأموات ، وكذلك ما سيأتي من أن عمل المجتهد برأيه انما هو رخصة له عند عدم الدليل ولا يجوز لغيره أن يعمل به بالاجماع . فهذان الاجماعان يجتثان التقليد من أصله ، فالعجب من كثير من أهل الأصول حيث لم يحكوا هذا القول الا عن بعض المعتزلة . وقابل مذهب القائلين بعدم الجواز بعض الحشوية وقال يجب مطلقا ويحرم النظر ، وهؤلاء لم يقنعوا بما هم فيه من الجهل حتى أوجبوه على أنفسهم وعلى غيرهم فان التقليد جهل وليس بعلم ( والمذهب الثالث ) التفصيل وهو أنه يجب على العامي ويحرم على المجتهد ، وبهذا قال كثير من أتباع الأئمة الأربعة ، ولا يخفاك أنه انما يعتبر في الخلاف أقوال المجتهدين وهؤلاء هم مقلدون فليسوا ممن يعتبر خلافه ، ولا سيما وأئمتهم الأربعة يمنعونهم من تقليدهم وتقليد غيرهم ، وقد تعسفوا فحملوا كلام أئمتهم هؤلاء على أنهم أرادوا المجتهدين من الناس لا المقلدين ! فياللّه العجب وأعجب من هذا أن بعض المتأخرين ممن صنف في الأصول نسب هذا القول إلى الأكثر ، وجعل الحجة لهم الاجماع على عدم الانكار على المقلدين ! فان أراد اجماع خير القرون ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم فتلك دعوى باطلة ، فإنه لا تقليد فيهم البتة ولا عرفوا التقليد ولا سمعوا به ، بل كان المقصر منهم يسأل العالم عن المسألة التي تعرض له فيفتيه بالنصوص التي يعرفها من الكتاب والسنة وهذا ليس من التقليد في شيء ، بل هو من باب طلب حكم اللّه في المسألة والسؤال عن الحجة الشرعية ، وقد عرفت في أول هذا الفصل أن التقليد انما هو العمل بالرأي لا بالرواية وليس المراد بما احتج به الموجبون للتقليد والمجوزون له من قوله سبحانه ( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ) * الا السؤال عن حكم اللّه في المسألة لا عن آراء الرجال ، هذا على تسليم أنها واردة في عموم السؤال كما زعموا ، وليس الامر كذلك بل هي واردة في أمر خاص ، وهو السؤال عن كون أنبياء اللّه رجالا كما يفيده أول الآية وآخرها حيث قال ( وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ ) وان أراد إجماع الأئمة الأربعة فقد عرفت انهم قالوا بالمنع من التقليد ولم يزل في عصرهم من ينكر ذلك ، وان أراد اجماع من بعدهم